ادب وشعر - جنونٌ من قهوةٍ ونبيذ

ادب وشعر

الأحد - 12 أبريل 2020 - الساعة 09:53 م بتوقيت اليمن ،،،

كتبها : مريم السبلاني .

ما الذي ايقظني باكراً؟ لم اضبط المنبه في الليلة الماضية، فآخر ما فعلته قبل ان يباغتني النعاس كان ان اطفأت سيجارتي في كأس النبيذ السابع. هل كنت ثملةً للحد الذي لا أذكر فيه ان كنت املك هاتفاً ام لا؟
آه يا إلهي، انه الهاتف حقاً، من الذي قد اخطأ في رقم الهاتف هذه المرة؟
تململت في سريري، رفعت وسادتي و غطيت بها رأسي، من المؤكد انه مخطئ، في المرة الاخيرة التي رن فيها كان ذلك الغبي الذي اتصل برقمي ليخبرني بأنه يريد السفر، فلتسافر ما الذي تريده مني بعد الآن؟ لقد اخذت كل لمساتي الدافئة و كل النجوم التي علقتَها يوماً بليل شعري الحريري.

لماذا لم تكف عن الرنين ايها الاحمق؟ انها المرة الثالثة التي احاول فيها الوقوف و لم استطع. ربما احدهم قد احب ان يرى ابداع الخالق قبل الذهاب الى عمله فيتصل بي مطالباً اياي بالوقوف على الشرفة . نعم، ليس هناك من ينطبق عليه هذا سوى جاري السبعيني الارمل الذي منذ انتقل الى الشقة المقابلة لشقتي وهو يُسمعني كل صباح اغاني فيروز بابتسامته العريضة و سيجاره الذي ينزع لحظة شروده بسعلة خانقة.
  اضحكني ما دار في رأسي رغم محاولاتي الصعبة للوصول الى الهاتف، رفعت السماعة  بكسل، بصوت مبحوح و هدوء، كان خبر قبولي بوظيفة ادارية في إحدى الشركات بمثابة صدمة سرعان ما تحولت الى نكتة أثارت شهيتي للضحك الهستيري، "يا آنسة، هل تسمعينني؟ اتمنى ان لا تتأخري عن العاشرة فالمدير شدد على رؤيتك و هو يحترم مواعيده جداً" و أُقفل الخط.
لم أكن بعد قد استرجعت قواي الجسدية و ربما العقلية و النفسية ايضاً. سرت نحو المطبخ. لا احد يمكنه ان يشعل زيت قنديلي سوى لهيب القهوة الناعم. سكبت ما تبقى من الزجاجة في ركوة صغيرة، و اخذت أضيف ملاعق البن واحدة تلو الاخرى. لم يكن بوسعي ان استمتع بتحضيرها فورائي موعد لعله مهم، و عليّ ان اجهز بسرعة، رشفةٌ واحدة من الفنجان كانت كافية لادرك بأنني قد اضفت البن لما تبقى من زجاجة النبيذ لا الماء! نبيذ و قهوة في فنجان واحد!! كيف لطهر الصباح ان يذوب بخطايا منتصف الليل في فنجان؟ قد يكون هذا المشروب الامثل الذي يشبهني حقاً، بتركيبته الكيميائية التي ما كان سيجمعها عاقل كما فعل جنوني ذات لهفة، شربت ما تبقى منه بنكهته الغريبة التي كانت تشبه ذلك اليوم حقاً، وقفت طويلا امام المرآة، تلبكت قليلا باخفاء ما خلفته الليلة الماضية، كحل عينَي و احمر شفاهي و خصلات شعري المتناثرة، وخرجت على عجل، لم يبقَ لدي الكثير من الوقت، ترددت كثيرا باتخاذ قرار الذهاب، كان يكفيني اشارة واحدة لأدعي أن القدر بأيديه الخفية قد تدخل! وقفت مطولا بسيارتي على بعد حوالي مئتي متر من باب البناية، عند أول اشارة مرور بالتحديد،انها حمراء! اخرجت قلم الحمرة من محفظتي، انها حمراء! تماماً كأحمر شفاهي، لكن مهلا لماذا اخترت هذا اللون بالتحديد، الا يكفيني وقع نظرات المدير الثقيلة البطيئة؟ سيتوقف عن سماعي بمجرد ان ابدأ بالحديث! بحركات خفيفة من لساني قضي الامر، انها حمراء، اللون الاكثر اثارة للاستفزاز، انه لا يريحني، تماماً ككثير من الاحداث و الاشياء و البشر، فكلها مقترنة بالخوف، حتى السعادة، بل اولها السعادة، الخوف من النجاح، من الحب، من الانجاب، من تجربة كل ما هو جديد و يثيرنا، الخوف من الاعتراف بلذة ما نشعر، انها حمراء، قالها بصوت مرتفع كأنه كان يحدثني منذ زمن و لم أكن اجيب، نظرت إليه بدهشة، انه صاحب الدكان المجاور: لا اظنك تنتظرين الاشارة و انت تعلمين انها معطلة صحيح؟
مضى على انتظارك وقت طويل.
وقت طويل!! قلت بسخرية، و لماذا لم تتغير اضواء هذه الاشارة و هي تحتاج بضع ثوان فقط؟ رد بعصبية: لقد قلت لك انها معطلة، لم أكن اعلم لماذا رفضتِ دعوتي الى  العشاء الاسبوع الفائت، لقد قلتِ بأن الجو سيكون ماطراً وسيتبلل شعرك و تكرهين الانتظار تحت اشارات المرور، لكننا في حزيران وكل اشارات المرور في هذا البلد المهترئ معطلة،  توقف الزمن عندي منذ ان ركنت سيارتك هنا،  و انا احبك جداً قبل ان تضعي احمر الشفاه و بعد ان  التهمتِه ايضاً، سألته بغرابة:الزمن! كم الساعة الان؟
_ إنها الحادية عشرة
_و لماذا اخرتني هذه الاشارة الحمقاء؟؟
_انها معطلة!!